ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الزيني )
54
الامامة والسياسة
من أموالهما ، ثم انكفأ راجعا إلى الشام ، فأف لحياة في زهو جرأ عليك الضحاك ، وما الضحاك إلا فقع بقرقره ( 1 ) فظننت حين بلغني ذلك أن أنصارك خذلوك ، فاكتب إلي يا بن أمي برأيك وأمرك ، فإن كنت الموت تريد ، تحملت إليك بيني أخيك ، وولد أبيك ، فعشنا ما عشت ومتنا معك إذا مت ، فوالله ما أحب أن أبقى بعدك ، فوالله الأعز الأجل إن عيشا أعيشه بعدك في الدنيا لغير هنئ ، ولا مرئ ، ولا نجيع ( 2 ) ، والسلام . فكتب إليه علي كرم الله وجهه : أما بعد يا أخي ، فكلاك الله كلاءة من يخشاه ، إنه حميد مجيد . قدم على عبد الرحمن الأزدي بكتابك ، تذكر فيه أنك لقيت ابن أبي سرح ، في أربعين من أبناء الطلقاء من بني أمية ، متوجهين إلى المغرب ، وابن أبي سرح يا أخي طال ما كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصد عن كتابه وسنته وبغاها عوجا ، فدع ابن أبي سرح وقريشا وتركاضهم ( 3 ) في الضلال ، فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك ، اجتماعها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليوم ، وجهلوا حقي ، وجحدوا فضلي ، ونصبوا لي الحرب ، وجدوا في إطفاء نور الله ، اللهم فاجز قريشا عني بفعالها ، فقد قطعت رحمي ، وظاهرت علي ، وسلبتني سلطان ابن عمي ، وسلمت ذلك لمن ليس في قرابتي ، وحقي في الإسلام ، وسابقتي التي لا يدعي مثلها مدع ، إلا أن يدعي ما لا أعرف ، ولا أظن الله يعرفه ، والحمد لله على ذلك كثيرا . وأما ما ذكرت من غارة الضحاك على الحيرة واليمامة ، فهو أذل وألام من أن يكون مر بها ، فضلا عن الغارة ، ولكن جاء في خيل جريدة ( 4 ) فسرحت إليه جندا من المسلمين ، فلما بلغه ذلك ولى هاربا ، فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق ، حين همت الشمس للإياب ، فاقتتلوا ، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا ، ونجا هاربا ، بعد أن أخذ منه بالمخنق ( 5 ) ، فلولا الليل ما نجا . وأما ما سألت أن أكتب إليك فيه برأيي ، فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة لأني محق ، والله مع المحق ، وما أكره الموت على الحق لأن الخير كله بعد الموت لمن عقل ودعا إلى الحق . وأما ما عرضت به من مسيرك إلي ببنيك وبني أبيك ، فلا حاجة لي في ذلك ، فذرهم راشدا مهديا ، فوالله ما أحب أن تهلكوا معي أن هلكت ، وأنا كما قال أخو بني سليم :
--> ( 1 ) الفقع : بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف نبات طري أبيض ، والقرقرة بفتح القافين الأرض الواطئة والمعنى أن أمره هين كهذا النبات الذي يسهل نيله ولا يصعب جنيه ، ويقال للذليل هو أذل من فقع بقرقرة أو هو فقع بقرقرة على التشبيه بهذا النبات . ( 2 ) الطعام النجيع الذي يهنأ آكله . ( 3 ) التركاض : الإسراع . ( 4 ) جريدة : الخيل الجريدة التي لا رجالة فيها يريد أنها لا خطر منها . ( 5 ) أخذ منه بالمخنق : ضيق عليه .